أرشيف ‘كوكتيل’ التصنيف

للمصعد قواعده أيضا ً

يوليو 4, 2009

 

 

عندما أستيقظ صباحا في تلك المدينة الشاهقة التي أسكنها هناك أمر واحد يثير قلقي أحيانا ً وحنقي دوما ً

أمر واحد يشغلني أكثر من فنجان القهوة .. وفيروز وصوت العصافير التي لا أستطيع سماعها ..

 

أمر واحد أبدأ التفكير فيه عند مغادرتي شقتنا .. هو المصعد !

أعيش في مبنى مكون من سبعة عشر طابقا ً , في كل طابق يوجد أربعة شقق .. فلكم أن تتخيلوا أعداد الناس الذين يستخدمون المصاعد الثلاثة الموجودة في المبنى .. ولكم أيضا ً أن تتخيلوا كم المواقف الطريفة أحيانا ً والمثيرة للحنق غاليا ً التي تنشأ داخل هذه الصناديق الثلاثة المتحركة هبوطا ًو صعودا ً ..

 

في كل يوم أضغط  على زر المصعد .. وفي الوقت ذاته أبدأ بالتجهم .. لأن فترة انتظار وصول المصعد الى الطابق العاشر حيث أقطن تستغرق وقتا ً طويلا ً  ..

رغم أنه في بعض الصباحات  يصل بسرعة البرق .. مما يجعلني أتساءل عادة ما الذي يؤخر المصعد دوما ً في الصباح ..

ربما لأن جارنا العملي جدا ً في الصابق الثالث عشر قد أوقف المصعد لينهي حديثا ً في هاتفه المتنقل غير عابىء رغم عمليته بالأشخاص في المصعد والآخرين المنتظرين ..

أو ربما قام بعض الأطفال بالضغط على بضعة أزرار بشكل طفولي جدا ً وتحت أنظار أهاليهم مما أدى

الى توقف المصعد عند كل طابق ! ولكم الحرية في احتساب الدقائق التي يستغرقها فتح وإغلاق الباب .

مؤخرا ً بدأت أتعرض لمضايقات المصعد بشكل مثير للأعصاب

أو ربما بدأت ألحظ هذه المضايقات التي كانت مستمرة منذ أن سكنا في هذا البناء , ولا بد أنك أيضا ً تتعرض لها لو كنت تسكن في بناء من عدة طوابق أو تعمل في شركة .. لذلك فكرت ببعض من القواعد التي تساعدني في جعل هذه الدقائق تمر بشكل أنيق وسليم

 

أولا ً

من البديهي جدا ً أن ينتظر الراغب في الصعود الى المصعد خروج الأشخاص الذين في داخل المقصورة قبل صعوده , من غير اللائق أن يحدث تصادم بين من يرغب في الدخول ومن يرغب في الخروج

بالنهاية ستصل  القليل من الصبر والكثير من الذوق هو ما نحتاجه !

 

مكان الوقوف

 

عندما أستقل المصعد وأكون بمفردي ببساطة أقف في أين مكان يحلو لي في داخله , أو أكتفي بالإتكاء على جدار المصعد , لكن عندما يتواجد أحد آخر من الأفضل أن تأخذ الزواية البعيدة عنه , وفي حال دخول شخص ثالث من الأفضل تكوين مثلث , شخص بالوسط واثنين على الجوانب .. وهكذا

ولا داعي أبدا لتحميل المصعد فوق طاقته .. إذا وجدت المصعد ممتلىء حاول أن لاتحشر نفسك في داخله

لا أحد يحب اقتحام مساحته الشخصية وتدمير فقاعته الحيوية

 

انتبه الى أغراضك الشخصية

 

في إحدى المرات كدت أن أفقد أعصابي من كثرة اللكزات التي  من جارتنا الانيقة … نسيت أن حقيبتها العابرة للمصاعد واصلت إزعاجي باصرار طوال المشوار الذب بدا أطول من المعتاد !

انتبه ألا تؤذي الآخرين بحقيبتك , مظلتك , حقيبة الكومبوتر المحمول .

 

أين تنظر ؟

 

هذه المعضلة التي تزعجني حقا ً , المصاعد عبارة عن مساحة ضيقة وصغيرة يتشارك بها الغرباء , سؤالي الى أين أنظر ..

جربت الكثير من النظريات

أكثر الأشخاص يختارون النظر الى شاشة الأرقام , بالنسبة لي الأمر مزعج الشاشة مرتفعة وطابقي هو العاشر , ربما سأصاب بتشنج عضلي لوقت وصولي , وجدت حل أفضل ومريح هو التحديق في الأرض أو النظر الى اللاشيء , أكثر الأوقات المحظوظة هي تلك الأيام التي أقف بها بالقرب من لوحة التعليمات المكتوبة فأتسلى بقراءتها بإمعان وجد وحرص شديد ..

 

موقعك يساعدك في سهولة الخروج

 

أعتقد أننا إذا فكرنا باستراتيجية قبل الدخول الى المصعد سنريح أنفسنا والآخرين  من عناء وعشوائية الخروج والدخول , من الطبيعي أن تتجه الى أقصى الخلف في حال دخول آخرين جدد الى المصعد ,حاول إن أمكن أن تنتبه الى وجهة كل شخص إن أمكن .. هذا سيوفر عليك معاناة كبيرة عندما يقترب المصعد من الطابق الذي تقصده ..

 

الدرج  .. من فضلك

 

تخيل أن يكون المصعد مكتظا ً .. توقف المصعد مثلا ً في الطابق الخامس .. سيزفر الجميع من التعب والغيظ ,,

ثم يأتي أحدهم بكل بلاهي ويحشر نفسه وبكل برودة وهدوء أعصاب يضغط على الطابق السادس !

لله في خلقه شؤون .. لن يضرك أن تأخذ السلالم وتترك المصعد حرا ً للأشخاص الين ينتقلون لطوابق أعلى ..

 

 

بعض الإضافات

 

صدقني لا أحد سيرغب في سماع مغامرات العاطفية , ولا أحد أيضا ً سيرغب في حضور مشاجرة مع زوجتك , أو رغبتك في تناول الطعام الفلاني , لذلك من الأفضل أن لا تتحدث على الهاتف , وإن أرغمت وهذا ما يحدث دوما ً حاول ان تتكلم بصوت هادىء وخفيض وتجنب الأحاديث الشخصية !

 

_ من الذوق أن تترك الباب مفتوحا ً لشخص ما قادم .. ولكن تذكر أن لا تحجز المصعد لوقت طويل خاصة في حال وجود أشخاص آخرين في داخله .

_ لو كنت مريضا ً بالأنفلونزا .. خاصة الدارجة هذه الأيام .. أتمنى عليك أن تنتظر مصعد فارغ !

 

حقا ً هل هناك داعي للقول أن السيدات أولا ً ؟!

 

 

 

 

مطر .. وحفنة ماضي

أبريل 13, 2009
200236712-001لا يمكن للحلم أن يموت تحت المطر ..استعادت رؤى هذه الكلمات بصوته ..بدا الجو مشبعا برائحة المراسيم التي تسبق المطر ..
حثت خطاها على الإسراع ..لا أريد ان اتأخر على الموعد ..
وفي الذاكرة كانت خطاها أيضا تسرع ..ولكن لموعد مضى ..

- أريد بنتا ..تحمل عيناها حنينك ..وضفائرها جنونك ..انعطفت من الذاكرة نحو الزقاق المؤدي الى مكانهما المعتاد ..حيث حفرا اسميهما على المقعد الخشبي ..بجانب كابينة الهاتف المنسية ..
لم يكن هناك بعد …سبقته قطرات المطر ..تذوقتها ..وغاصت مرة أخرى في أحلامها

-رؤى حبيبتي أنت كالمطر ..رغم قذارة المكان والزمان ..تأتين دائما نقية ..تستمرين بالعطاء ..كم احتاجك الآن ..
- حبيبي احتفظ بالأمل ..لا تكتفي بالنظر الى نافذة مغلقة ..حاول مرة أخر ستجد عملا أفضل ..فقط استمر بالأمل ..أنا هنا بقربك …

نظرت الى الساعة المشنوقة على يدها للمرة العاشرة …آه أيتها الساعة تبقين في مكانك لتحصي الساعات التي تفصلنا عمن نحب ..أو التي قضيناها بعيدا عمن نحب … وكل ما يلزمك مجرد بطارية …هفففف لقد تأخر ..خيرا إن شاء الله … كان يسبقني دائما بحلم ..

- رؤى هل تعلمين لما أسبقك دائما نحو الحب وأنتظر ؟!
-حسنا يا عبقري …كيف سأعرف ان لم تخبرني ..
-رؤاي ..في لحظات انتظارك ..أقضيها في حبك ..تتسارع دقات قلبي حين أتخيلك مقبلة نحوي ..واتساءل أين ستقبلك عيناي ..وأحتار ..وأغرق في الحزن ان لم استطع سماع خطوات حبك تسبقك …أحبك في انتظارك ..أضعاف ما أحبك في لقاءك … رؤى لا تبقي صامتة تكلمي ..
كانت أنفاسي هي التي تبوح .. وأنا أستمع ..
وأحياناً أخرى أنا أبوح وأنفاسي تستمع ..
كنا نتبادل الأدوار على عجل .. فلقائنا ما كان بالمدة التي تسمح لنا بالتباطؤ ..

 

أصبحت قطرات المطر أثقل على روحها ..وبدا قلبها يتضاءل قلقا ..نظرت الى كابينة الهاتف ..

-رؤى لما تصرين على هذه الطقوس ..بت أحسب أن مكالمة ما قبل النوم تهمك أكثر من مشاكل بيتنا الذي لم أستطع تأمينه بعد ..
-لم تشتكي يوما ..مابك ؟ !!
بزفرة فيها كل شيءحتى الحب أجاب : – لاشيء تصبحين على خير

ليس هذا وقت الاستغراق في الأحلام أنبت نفسها بدت كابينة الهاتف مغرية أكثر من أي وقت مضى .. فكرت سأتصل به ..لابد من خطب ما ..
دلفت الى الكابينة ..وانفصلت عن كل شيء في الخارج ..المطر .الضوضاء ..الناس ..فقط هي والهاتف والقلق ….
وضعت العملة المعدنية في الحصالة بيد مبلولة مرتجفة …وببطء ضغطت على أرقام هاتفه …
بدا الرنين على الطرف الآخر لن ينتهي ..لكم كانت في الماضي تستمتع بهذا الرنين ..ما باله يبدو اليوم وكأنه سيمفونية الموت ..
- آلو
-آه خالتي .. ألن يتوقف ابنك عن إرعابي أين هو ..يبدو انني أنتظره منذ سنين ..
-رؤى .. بدت أمه ستبكي على الطرف الآخر ..
-خالتي ماذا هناك ؟ أخبريني أين حسام ؟هل هو بخير ؟ لقد كان البارحة معي ..وبدا في غاية الحياة ؟ ماذا تحدثي لما أنتي صامتة ؟!!!
-رؤى .أرجوك ِ ..ألن تتوقفي عن تعذيب نفسك ..وتعذيبنا ..
-خالتي ..رفقا بي أخبريني أين حسام ؟؟ ضعيه على الهاتف ؟ هل هو غاضب مني ؟
- رؤى …اختنقت والدة حسام على الطرف الآخر ..أنا أم وأحببته أكثر منك ..توقفي عن تعذيبي … حسام غادرنا منذ سنتين … في نفس هذا اليوم …
أرجوكِ ..أريحي نفسك وارحمينا ..

صوت الوالدة بدأ يشدها ..وتبتعد …يشدها من شالها ..لشيء تهرب منه ..لا لا ..لا
لا يمكن اليوم كان سيقدم لي الخاتم هنا في مقعدنا الخشبي …لا ..اصمتي ..كيف تدعين الأمومة وأنتي تقتلين ابنك ..
-رؤى ..ارجوكِ ..تقبلي الأمر ..حسام لن يعود لكِ أو لي ..لقد ..غادر …شيء في صوت أم حسام ..تسرب الى روح رؤى ..
وبدت عيناها مفرغتان من كل شيء سوى الألم …

وضعت السماعة برفق ..عادت الضوضاء …
على الرصيف ..نظرت للمارة والمحلات والسيارات ..من خلف نظارتها المبللة بالمطر …كل شيء كان في غير مكانه ..وكأن المطر قد غسل عن الدنيا قناعها ..فبدت على حقيقتها مشوهة …
لا يمكن للحلم أن يموت تحت المطر ..هذه المرة بدا صوته آتيا من مكان سحيق ..
وقفت هناك ينساب حلمها ..من ضفائرها وأطراف أناملها ..
ليتساقط فوق الرصيف الإسفلتي …ويموت ..تحت المطر ..