أرشيف ‘فقاعات خارج دفتري’ التصنيف

علبة مكَي شكرا ً بالنيابة عن كل الإناث

أبريل 23, 2009

make_up_kit_209191803_stdلمدة طويلة شغلتني التغيرات التي كانت تطرأ على الطفلة في داخلي وحرصت بشدة على انتقاء السيدة التي سأعيش معها لسنوات عديدة قادمة , يبدو أن انشغالي هذا كانت نتيجته أنني بقيت خارجيا ً على الأقل الفتاة ذات الضفيرتين والنظارات السميكة ,

حديثا قدر لهذه الفتاة ذات النظرة الثاقبة خلف النظارات أن تدخل عالم العجائب …

دعيت الى حفلة زفاف قريبة لي … بعد أن قضيت فترة طويلة أمام خزانتي أحاول انتقاء أي شيء يصلح للمناسبة ..قررت أن أنزل إلى السوق .. جولة السوق كانت مليئة بالارتباك ابتداءا من جهلي بمقاسي مرورا بتشويش الباعة المعتاد وانتهاءا بالعمل بنصيحة البائعة المكررة عند كل فستان :

” خدي هاد عنجد كتير بيلبئلك “

وفي الليلة المرتقبة … كان علي المرور ببيت كانت تجتمع فيه معظم نساء العائلة كنقطة انطلاق

فتحت لي ” أم طارق ” الباب وقبل أن ترد التحية التي لم أستطع النطق بها صرخت ” لسا ما جهزتي “

شعرت بالانزعاج لهذا الاستقبال وتفقدت هندامي مرة أخرى لأتأكد أنني لم أنسى شيئا ً ونظرت إليها نظرة مشابهة لنظرتها

أشارت الى غرفة قريبة منهية بهذا الحوار المهذب بين العيون ..توجهت للغرفة وأنا أردد في داخلي مثل قديم يربط الأقارب بحشرة سامة

دفع ذلك الإبتسامة الى وجهي ,نقرت بأصابعي على الباب بمرح وثقة لم تدم طويلا ً ..سرعان ما تلاشت إثر الصدمة البالغة على وجه نسرين ” منشان الله هيك بدك تروحي “

صفعتني الكلمات النارية وتراجعت .. شدتني إلى الغرفة وهي تردد بحزم ” بدك جلسة مرتبة أنتي “

لم يسبق لي أن زرت خلية نحل أو غرفة عمليات من قبل , إلا أن ما كان يحدث في تلك الغرفة جعلني أجزم أنني في غرفة العمليات الخاصة بخلية النحل ..

تقوقعت في إحدى الزوايا ..وأنا أشعر أن الفتاة ذات الضفيرتين ضهرت بصورة أقوى من أي وقت … كم أكره أن أكون في وضع أجهله تمنيت من الله أن تبقى قريبات الهنا مشغولات في تغيير هيئتهن حتى يحين الموعد .. نظرة صغيرة للطريق نحو الباب جعلتني أقدر المخاطر التي سأتعرض لها إن حاولت الهروب .. سأمر بجانب ” المعلمة ” قبعت في مخبئي ألاحظ

ماكان يحدث في الغرفة أمرُ خارق للطبيعة .. في زاوية قريبة كانت إحداهن بلحظة واحدة تغير لون شعرها ..ضربة من ريشة كانت أشبه بتلك التي تستخدم في المخابز لطلي وجه الخبز بالبيض ليكتسب اللون الذهبي ..اللون الذهبي نفسه كان يضاف بشكل سحري للخصلات لتبدو ذهبية أنيقة ..

بجوارها وقفت فتاة معروفة بالعائلة بشعرها الصبياني القصير …كانت تهز رأسها يمنة ويسرة لتسمح لخصلاتها بالتأرجح ملامسة ظهرها بنعومة فائقة … رمشت مرة ..مرتين لتأكد أنني لا أحلم .. رأيتها منذ مدة لا تكفي لهذا التطور الطويل ..

التفت لإحداهن رأيتها تحمل شيء وللغرابة بدا كالرموش .. إلا أنها كانت منفصلة عن العيون وكثيفة بشكل مبالغ به ..أضافت مادة توقعت ببديهة أنثوية أنها لاصقة و رمشة ..رمشتين .. وسبحان من كون هالعينتين ..أقصد هالعين !! تركتها لتركب أختها ..

على بعد أقدام جلست فتاة مترددة وغير واثقة ودار بينها وبين” المعلمة ” ماغيرها نقاش حول نوعية” الفونديشن ” الذي يناسب بشرتها .. انتهى النقاش بأن المعلمة تعرف شو بيناسب لون بشرتك أكثر منك !!

قريبة أكن لها محبة لدودة كانت تبحث عن الماسكارا ذات رقم محدد .. وضلت تصرخ عليها ولا حياة لمن تنادي

اقترحت عليها من باب المساعدة ” نتالي اعمليلها ميسيد كول “

تركزت العيون وبدوت كالفأرة المكتشفة في جوال الطحين ..

تنبهت نسرين إلي وتوجهت نحوي بحزم في نفس الوقت الذي تلقت فيه التعليمات ” حطيلها العدسات لبين ما أفضى وساويلها مكياج العيون “

عدسات ؟ !!

أرجوكم كل شي إلا عيوني ..

كل التوسلات لم تفلح .. لماذا العدسات يا جماعة أنا سعيدة بلون عينيَ ..

” منشان يتناسب مع لون فستانك “

ظهرت صورة البائعة في مخيلتي … كززت على أسناني لماذا لم تختر لي وهي الخبيرة لون يتناسب مع عيني .. لم أكن لأمر بهذه الأزمة

استسلمت للمحاولات الخرقاء لنسرين التي لم تستطع سوى أن تثير المزيد والمزيد من دموعي .. التعزيزات تمثلت بفتاتين أمسكتا بجفنين بشكل متعاكس ومؤلم .. لدرجة ظننت معها أنني لن أستطيع إغلاقهما مجددا

أمطروني بأوامر متفرقة ومتعاكسة .. فتحي ..غمضي ..اطلعي يمين ..يسار ..فوق تحت ..

لا تدمعي (وكأن الأمر بيدي ) أعلنت نسرين ” تمت المهمة بنجاح ” أضفت في داخلي ” وبألم وغبش في الرؤية والإرادة “

تحطمت إرادتي في عملية عين – عدسة لذلك استسلمت لكل ما تلى ذلك ..ولكل الأيادي التي تناوبت على وجهي وشعري

وفي نهاية الأمر أدارتني نسرين نحو المرآة قائلة ” هلا صرتي جاهزة “

للحقيقة لن أنكر أنني أعجبت بما رأيت رغم زيف معظمه .. كان مزيج لطيف من المرآة التي سأكونها والفتاة التي كنتها ..

لو كانت جداتنا حاضرات تلك الليلة في الغرفة لأخذ المثل القديم أبعادا أكبر من علبة مكَي

كنت مدرسة ..يوما ً

أبريل 13, 2009

classroom61

توقفت الأحاديث الجانبية .. واللعب .. بمجرد أن ظهرت على باب الصف …نظرت الى الوجوه الصغيرة الضاحكة ..قاومت ابتسامتي


للحظات ..ولم ألبث ان أبتسم …
- صباح الخير
جاءتني الإجابة على شكل صرخات غير متناسقة ..صباح النور ..
اتجهت الى مقعدي ..وسألت تلاميذي – هل تشعرون بالبرد ؟
من الهمهات ومن وحوهم السعيدة ..تأكدت انهم بخير ويشعرون بالدفء …
تساءلت عن سبب وجودي في هذه المدرسة ..وان كنت حقا أحسن التدريس ..
هل حقا أستطيع السيطرة على ثلاثين تلميذا ..لديهم رغبة في اكتشاف العالم
وهل العالم الذي سيكتشفونه من خلالي جيد كفاية ؟ لم تستطع الشهور التي قضيتها في المدرسة أن تطمئن
خوفي الدائم على صغاري …في معظم الاوقات أشعر أنني طفلة مثلهم ….
- ما الدرس اليوم ؟ ..
انتشلني صوت ربيع …
-اليوم لن نأخذ شيئا …س
ارتفعت اصوات التهليل والفرح ولم تسمح لي بإكمال ما أردت قوله
قفز شادي من مقعده – يعني مافي تسميع ؟
عدت للإبتسام … -شادي لاتغادر مقعدك ..لا مافي تسميع ..
عادوا للضحك بعد تأكيدي ..فأكلمت – اليوم لدينا شيء أهم …نجحت في أن أحوز على انتباههم ..
ساد الهدوء وتعلقت عيونهم جميعا علي …بعث هذا الدفء بداخلي ..
-اليوم سنتحدث انا وانتم ..
-عن شو -انا بقدر احكي -آنسة بدي خبرك عن أختي

- طرقت بأصابعي على الطاولة ..سنتحدث ولكن المهم ان نتحدث بهدوء ويكون لكل منا دوره اتفقنا
بوجوه جادة أومأوا لي بالموافقة …
-خبروني بتحبوني ؟
الإجابة لم تستغرق ثواني وبصوت واحد ..وهذه المرة كان منسجما ومليئا بحب صادق
-ايييييه
-ربيع خبرني ليش بتحبني ؟
-لأنك آنسة بتسمحيلنا نشرب مي بالحصة ..
ضحكت كثيرا ….لم أصادف بحياتي شيء نقي كصدق الأطفال ..لديهم قدرة كبيرة وغريبة بتقرير من يحبون
والأسباب ..ولديهم القدرة المذهلة ذاتها ..في الإبتعاد عم من يكرهون بالصدق ذاته ..
-خلصنا حكي آنسة ?..
عدت للصف مرة اخرى … -وانتي سالي ليش بتحبيني ؟
-لأنك بتتضحكي بوشنا آنسة ..
آه لو تعلمون كم أحبكم ..وأحب ضوضاءكم ..ورائحتكم ودموعكم …
-ربيع ما هو الشي الذي يزعجك في حياتك ؟ حدثني عن أي شيء تريده ؟ …لطالما جذبني ربيع بصمته ..كان يبدو لي رجلا
في جسد طفل ..أكتافه النحيلة بدت تحمل هموما أكبر منه ..
يالله ..لماذا اتورط معهم جميعا …لماذا لا أتوقف ..وأكتفي بوظيفتي ..
نظر ربيع إلي … نظرة رجاء تطل من عينيه ..ربما رجاء لأحمل عنه همه …لم أستطع تجاهل النداء المطل من عينيه …
-أبي …. بصوت خافت اكمل ..لا يحبني
توقف قلبي للحظات …ما أصعب أن يحس طفل بالهجر ..
-لماذا تقول ذلك ؟ !
-انا أعرف ..اختنق صوته …انه لا يمازحني ويحضنني ويتلكم معي مثلما يفعل والد صديقي ليث
اقتربت منه ..-في بعض الأحيان يا ربيع لا يستطيع آباءنا التعبير عن حبهم
-شاركتنا سالي بوعي كبير أذهلني ..ولكن هذا واجب أهلنا ان يحبونا صحيح آنسة ؟
عجبت من الهدوء الذي ساد الصف ..صغاري حقا كبار …
-أحيانا علينا ان ننظر الى الأمور بطريقة مختلفة …
ارتفعت علامات الإستفهام في عيونهم ..
واكد لي ربيع لم أفهم اشرحيلي أكتر آنسة ؟
لا أعرف من اين جاءتني الفكرة ..فلم شاهدته أم كتاب قرأته
كل ما أعرفه أنني ناديت ربيع الى طاولتي …..
-ربيع انظر الى الصف من مكانك …ماذا ترى ؟
-أجابني بحيرة أرى الصف …صفنا
طيب تعال … طلبت إليه أن يصعد الى طاولتي ..تردد قليلا ..ومن ثم قفز الى الطاولة و وقف فوقها
وأعدت عليه نفس السؤال …-ماذا ترى يا ربيع ؟
لم انتظر طويلا لأتأكد أن فكرتي وصلت … تهللت أساريره وقال – أرى الصف …صفنا ..وبابتسامة أكمل
ولكنه مختلف ..
جاء دوري بالابتسام … -هل فهمت ما قصدته ..قد يبدو لك والدك غير محب …ولكنه بطريقة أو أخرى يحبك ..
تمنيت من الله أن يكون اعتقادي في محله وان الوالد يحبه ….
-ربيع هل ستبقى واقفا هناك طويلا …يلا انزل لشوف

قفزت سالي- آنسة أريد أن أجرب أن أرى الأمور بطريقة مختلفة ؟
-حسنا تعالي
وبدأت الطلبات تزيد ..وبدأت أشفق على طاولتي التي لن تتحمل الصف الطويل من الراغبين في اعتلاءها
اقترحت اقتراحا بدا في وققتها عمليا …ولكن فيما بعد تأكدت أنه كان أغبى ما قمت به على الإطلاق ….
-اسمعوا يا أطفال ليجرب كل واحد ان يرى الأمور بطريقة مختلفة من مكانه وبسرعة … هيا
في لحظة واحدة فقدت السيطرة على العفاريت الثلاثين …وفي اللحظة ذاتها دخل من الباب اكبر عفريت
تمنيت اجتنابه في مثل هذه اللحظة !!!
كان المدير يقف على الباب وأمامه مشهد لا اعتقد انه رآه في كل مسيرته العملية والغير عملية !!
ثلاثون طاليا يعتلون مقاعدهم ومدرسة تبتسم في بلاهة !!
في غضون دقائق عاد التلاميذ تحت الطاولات ..أعني عليها …ووقفت غير قادرة على تفسير أي شيء ..
-إذا سمحتي أنسة …. اعرجي على مكتبي بعد الحصة !!
أقفل الباب وراءه .. ونسي أن يأخذ معه الوجوم …
نظرت الى الوجوه القلقة …وعدت الى الابتسام ..لن أسمح لأحد أن يسرق ابتسامتنا ..
تلقيت جائزتي ابتسم صغاري وعاد الامان إليهم …
لا داعي لذكر المقابلة القصيرة في مكتب المدير ..وخيبت امله الشديدة …. وثقة والدي وتوصيته …
مقابلة قصيرة دارت من طرف وحيد وانتهت بالإستغناء عن خدماتي الغير مأجورة ….
ومازلت حتى اليوم أتساءل هل مازال ربيع قادرا على رؤية الأمور بطريقة مختلفة ؟
وهل مازالت سالي ذكية وحبيبة ؟ وشادي يغادر مقعده عند كل كبيرة وصغيرة !!كل ما
ما أواسي نفسي به انني رأيتهم مبتسمين في أخر مرة …
هذه احدى فقاعات حياتي التي لم تدم طويلا …

 

 

فقاعة ماء

أبريل 13, 2009

water3

كان أول مالاحظته أن غرفة المخبر باردة ..ولفت نظري عنوان عريض كتب على اللوح ..الإنكماش السيتوبلاسمي … انكمشت في المكان المخصص لي ..لم أكن أعرف أحدا ممن حولي كان هذا درسي العملي الأول في السنة الأولى لكلية طب الأسنان ..
كنت قد وصلت متأخرة ..وهذا لم يساعدني تملكتني الحيرة ..ورددت في داخلي انكماش سيتوبلاسمي !! ولم أستطع الوصول الى نتيجة مفهومة ..فطرتي وجهتني أن أتظاهر بانني سأقوم بما على الجميع القيام به .. تناولت بصلة كانت موضوعة امامي وكالجميع بدأت أقشرها
وأحاول الحصول على الطبقة الرقيقة (هذا ما فهمته من همهة الزميل الذي كان بقربي )

وبعد عدة دقائق جلست وامامي مجهري .. وأحسست تماما بنفس شعوري في الصف الأول الإبتدائي ..
وضعت الشريحة ..وشغلت المجهر بعد عدة محاولات مضحكة .. وبعد عدة دقائق غصت تماما في عالم مضيء ..وجميل
وبدأت أرسم .. وأتفنن في الرسم …بدت خليتي أكبر من اللازم ولكن هذا شجعني .. وعرفت انني محظوظة على الأقل من ناحية الخلايا .. تناوشت مع خليتي لمدة نصف  ساعة بعدها قرر الدكتور أن يقوم بجولة على الطلاب ..وصل الى مقعدي  .. هاتي لنشوف شو رسمتي ؟!
غادرت مكاني لأسمح له بالجلوس ..و وقفت الى جانبه أنتظر وأحاول أن أسمع من خلال ضجة دقات قلبي .. ألقى الدكتور نظرة على المجهر ومن ثم نظر إلي نظرة لم تعجبني .. وسألني :
-شو فطرتي اليوم ؟
- فول … كانت هذه الإجابة التي توقعت أنه يريد الحصول عليها رغم أن جوفي كان فارغا جدا..
بدأ يحرك رأسه يمنة ويسرة وكأن مصيبة حلت به ثم بدأ يضحك …
عرفت أننيارتكبت خطأ أو لنقل مصيبة ما .. ولكن لم أدرك ماهي ..كل ما فكرت فيه هو أن خليتي المسكينة خيبت أملي .. ولم تنكمش سيتوبلاسماها مثل اللازم .. و قررت إعادة النظر بنظرية الخلايا وحظي ..
بعد أن تمالك الدكتور نفسه … واستقطب أثناء ذلك كل من في الفئة من طلاب
أخبرني أنني ضللت لمدة نصف ساعة أتفنن في رسم فقاعة ماء !!!

أحيانا أصدقائي نقضي وقتا طويلا في التركيز على الشيء الخاطىء .. وأحيانا قد نتعلم بطريقة مختلفة عن الآخرين ولا بأس في ذلك .. ودائما للفقاعات معنى مختلف في حياتي .