
ستشاهد متسول ما لن تعرفه من ثيابه الرثة أو إلحاحه بل من موسيقى حالمة تنساب كحلم وردي في صباح قارس البرودة
العازف غارق في وصلته لا يعير انتباه ه ظاهريا على الاقل لضجة الملاليم التي ترمى في قصعته
وبعد برهة ليست بالوجيزة يتوقف يلملم أغراضه ويغادر النفق لشرب قهوة ساخنة ليحصي ما جادت به تلك الأيادي
هذا نوع من التسول يعشقه الغرب ويدعمه بالملاليم
في مكان “مختلف ” جدا
سيناريوهات التسول تفوق بالحرفية والمهارة الغجر السباقون للبزنس ..درجة عالية من التنظيم والحرفية يجيدها متسول بلدي فقط
بالتأكيد الخلفية الموسيقية ستختلف قليلا ً سنسمع بالتأكيد صوت الديك يحث أن وقت الحصاد قد حان
وقبل ان تدرك حتى موطأ قدمك ستجلد بسيرة حياة أحدهم تقال لك بسرعة فائقة وخبرة في تقديم التفاصيل المحزنة أولاً مع ملامح
تدعم البؤس وحتى لا يتهمني أحدهم بعدم الشفقة فأنا غالبا ما اصدق هذه القصص وأتأثر بها جدا ً حتى أدركت صدفة أن البائسة الوحيدة
وأن تلك السيناريوهات الحزينة يتم تعديلها حسب الحاجة ..فتارة تلصق بالعراق واخرى بغزة وأيام الحرب على الجنوب شهدنا تعديلاً بحجم المصيبة
ترفق عادة تلك السيناريوهات بأدعية مرافقة وتكون تلك الأدعية على حسب الحالة
فإن صادفوا شاب وفتاة يبدون وكأنهم على وشك الزواج .. ستكون الدعوات بالرزق والزواج والخلفة الصالحة
أما إذا كنّ فتيات وهذه هي الفئة المقصودة دائما كونهن الأكثر تصديقا ً فتكون جل الدعوات بالسترة !!
في إحدى المرات رددت إحداهن عبارة ” الله يستر عليك ” بحرقة وحرارة حتى ظننت أنني نسيت إرتداء ثيابي الكاملة !!
والغريب أن المتسول يعلم تماما ً الطريقة المناسبة لكل ضحية .. تجده ولله في خلقه شؤون لحوحا ً قويا ً قادرا ً مع شخص ما
ومع آخر تستغرب لقدر الهدوء واللطف في السؤال !!
معظم الأدعية المؤثرة ستتحول الى وابل من الغضب والدعاء عليك وعلى كل من عرفت في كل حياتك
في حال لم تعجب الهبة المتسول .. أما إذا كنت تملك من الشجاعة ما يجعلك تمتنع عن إعطائه شيئا ً فعندها “نهارك أبيض “
عمتي اكتشفت وبذكاءها المفرط أن أم سنيّة جارتهم تتسول في آخر بقاع المدينة ..حيث ظبطتها مرة ..وبذات الذكاء المفرط اكتشفت أن العائلة بأكلمها
تدير شبكة تسول في الخفاء تستخدم فيها الأطفال ..لا أعلم إن كانت تسمية الأطفال جائزة أن تطلق على
أولئك الأشخاص الذين كبروا بسرعة ظالمة لم يستطع جسدهم فيها مجاراتهم ..لشد ما يؤسفني ويغيظني
تحولهم الى سلعة ..لشد ما يؤسفني أن يشعر معظمنا تجاههم بالنفور ونغطي ضعفنا هذا ببضعة قروش
غالبا ما يكون مقابلها دعوة حفظوها عن ظهر قلب !
أعرف أن بين المتسولين من هم حقا ً بحاجة وهذه حقيقة لا أنكرها حتى لا أكون ظالمة وهذا ما يدفعني
للتساؤل : ألم يكن يروى لنا ونحن صغار , عن شيء اسمه بيت المال وعن ذلك الوالي العادل الذي يطلع على
أحوال رعيته في الظلام الدامس ؟!
الحمد الله أنك الوتر الحساس الذي مازال يلعب عليه المتسولين المحترفين وهو العزف على قلوبهم الرحيمة مازال حيا ً!
لا تستغرب إذا ما سألت المتسول لماذا لا تجد عملاً لك ؟ وأجابك باستنكار أنه يعمل في الأعمال الحرة فعلاً !!
مهنة التسول تمكن هذه الأيام من تجميع ثروات باهظة تحت مظلة “لله يا محسنين “
مجمل القول أن للتسول شؤون وشجون !
مفارقة
الغريب أن حمى التسول باتت تفوق إنفلونزا الخنازير في الإنتشار
ولم تعد تقتصر على الأفراد العاديين بل انتقلت الى الحكومات والشخصيات البارزة والقيادية ووو إلخ..
ولست أدري كيف يحدث ذلك وأنا التي لا تفقه بالإقتصاد حتى إسمه ” شخص ينهب من شعبه ليغتني
وعندما لا يتبقى للشعب شي يَنهب ..يذهب ليتسول بإسم شعبه الكادح !!
خلونا أحسن بالتسول البشري ودعونا من السياسي حتى لا تتعكر أمزجتنا !



