ذكريات الياسمين ..

By 7o7ayeh

مشى في ذلك الشارع … بدا غريبا ً تماما ً مثله .. نظر الى عامل التنظيفات حاول أن يتذكر

شكل وجهه وفشل .. لا شيء مألوف هنا .. رغم انه قطعه مئات المرات كل ليلة في طريق

ذهابه وعودته إلى ذلك المكان الذي يسكنه ولم يستطع بعد تسميته بمنزل..

زفر بحزن .. لماذا لم تعلق تلك الشجرة في ذاكرته , قطف زهرة , لم يستطع تحديد نوع الشجرة ..
كما لم يستطع أن يحتفظ بشذاها ..

وصل إلى ذلك الدكان .. طلب علبة السجائر خاصته ..
نظر الى وجه الكائن الذي كان يقف أمامه كل ليلة .. ليكتشف أنه لا يعرف عنه شيئا ً ..

أكمل مشواره ولكن في مكان آخر … وشارع مختلف تماما ً …..

نداءات يحفظ توقيتها وأصحابها .. بدأت ترتفع هنا وهناك .. وتصل الى قلبه قبل مسمعه ..

_ كيف حالك يا بني ..تعال القهوة عالنار
_مرحبا يا عم .. بالله عليك اشرب معنا الشاي .. تعال

ابتسم وتكرر المشهد أمام دكان أبو راشد … ورشة أبو غفران لازلت كما هي .. ولده الكبير يعمل بجانبه كالعادة بصمت ..

الحلّاق.. أصبح طويلا ً هذا الشاب .. يحفظ كل شبر في ها الشارع .. كل شجرة له معها حكاية .. في

كل زقاق صديق .. كل حائط بشقوقه يسند ذكرى في روحه ..

جارته أم بسام تدفع الضحك الى عينيه كلما رآها .. بأطباقها التي تأبى إلا مشاركتها مع عائلته ..

وتلك الأمنية الدفينة في داخلها بأن يتزوج إحدى بناتها ..

زرقة السماء كانت صافية .. الربيع هنا يعلن عن نفسه في كل شيء .. في ضحكات الأطفال ..

وفي عروق يد جده .. في أشجار اللوز والمشمش .. في بردى المقاوم ..

لا ربيع في وطنه دون غوطة .. ولا غوطة دون سيران .. ولا سيران دون اجتماع عائلته .. ولا معنى للسيران في وطنه

مشاوير تجمع بين كل الأعمار .. الأجداد والاحفاد .. الوالدين .. الأصدقاء .. الجيران ..

تذكر والدته وانشغالها في تحضير التبولة منذ يوم الخميس .. وانهماكها في تحضير مستلزمات السيران ..
تذكر أرض وطنه التي اتسعت للجميع ليفترشوا الحصير عليها .. وتتجاور العائلات .. وتعقد حلقات الرقص

وتتشابك الأيادي بين حقول القمح والخضار ..

مازال ذلك السيران حيا ً في ذاكرته .. يداعبه دخان ناركيلة والده … ونداءات أمه لأخوته الصغار

لا تبتعدوا .. توقفوا عن رمي الأكياس ..

أغمض عينيه ..وأقر بنوع من الهزيمة .. لن يستطيع العيش خارج وطنه ..

لن ينسى ثرثرات بردى … وعناقه لقدمي تلك التي أحبها ..

لا يستطيع نسيان مذاق الكرز الذي أنساه همومه الصغيرة .. كل الفرح الذي خبئه في طيات ثيابه ..

وملأ به جيوبه قبل أن يرحل .. يتضاءل ..

شرفة منزله .. أربع نبتات موضوعات في أقصاها، لإحداهن نوارة حمراء تتفتح في الأسابيع

الأولى من شهر أيار، من يراها يظن أنها خارجة من الجنة، تظل ترسل أنوارها طوال الصيف

بمعدل كل يوم ثلاث نواوير. النوع الثاني كروي مقسم إلى ثلاثة عشر قسماً خرج منها أربع

زهرات مدت أعناقها إلى الأمام والأعلى أشبه بطائر يرتفع ليصل إلى الأشعة الدافئة .. آه منزله

المطل على ذلك الجبل .. من لم يعرفه لن يعرف دمشق .. أغمض عينيه .. دمشق تشكلت في روحه

لوحة فسيفسائية جمعت كل ما يحب ..

طوال السنة كان يعيش على أمل لحظة وصوله .. يتخيل طريق العودة للوطن .. مليء بالفرح .. واللهفة

.. ينتظر تلك اللحظة التي تهبط فيها طائرته .. لتحط على تراب وطنه …

تلك اللحظة التي يخرج فيها من بوابة القادمين ليبحث عن تلك العيون التي أحبته دائما وانتظرته طويلا ً

.. يبحث بلهفة .. ودائما دائما يلمحها هي أولا ً .. تجده بمحبتها .. أمه .. يلقي بنفسه في أحضانها

لتتلمسه بشغف ولتتأكد أنه بخير .. ثم تضمه .. آه هنا الوطن ..

ثم إخوته .. وأصدقاؤه .. يصافح .. ويعانق .. يشعر بالحزن لا يستطيع ضمهم جميعا ً دفعة واحدة ..

يوزع الهدايا بجذل احتفالي .. يندمج فيه الجميع ,, لو كان يستطيع أن يهديهم النجوم

يستقبله الجميع الأهل .. الأرض .. سماء الوطن .. وشمسه … الجميع اشتاق إليه ..
على هذه اللحظة يعيش طوال فصل الغربة ..

علا صوت فيروز في عقله ..” خدنــــــــي علــــى بــــــــــــلادي “
لملم روحه .. تناول علبة السجائر .. وأكمل طريقه .

7 تعليقات إلى “ذكريات الياسمين ..”

  1. uramium يقول:

    جميل ما قرأت هنا.. تحياتي لك .. فوجئت بوجود مدونة لك .. مبروكة :)

  2. سيدة ُ الزُّرقة يقول:

    آه ٍ ياوطن كم نعشقك..وكم تعشق أن تبعدنا عنك..

    ودٌّ

  3. Rami يقول:

    آخ كم يحرقنا الشوق إليكِ دمشق تلك الحواري و الأزقة ولون السماء و حكايا الياسمين….
    أعادكِ الله للوطن أختي الكريمة…

  4. فريزة يقول:

    أهلا ً يوراميوم سعيدة بمرورك
    ماني شاطرة كتير بالتسويق :p
    يبارك بعمرك تحية لك

    سيدة الزرقة .. نحن سيدتي من نصنع الأوطان
    ونحن من ننفي أنفسنا
    تحية مودة لك ٍ

    رامي
    شكرا ً لك دعاء من القلب أتمنى أن يحققه الله
    أعاد الله كل مغترب لوطنه .. وأعاد الوطن إلينا ..

    شكرا ً جميعا ً

  5. sun يقول:

    ذكريات الياسمين …..
    لا ادري ماذا اعلق على هذه الخاطرة …. احبك سوريا
    صحيح اذا بدك تسوقى لمدونتك مع انو انا شايفة ما شاء الله مافى حد بيقرأ فقاعة من فقاعاتك الا بيدمن كتاباتك ومدونتك عالعموم اذا احتاجتي فاعلمي صديقتى يانى هنا صحيح انا ما خبرتك انو انا دارسة صحافة واعلام | علاقات عامة وشاطرة كتير بمجال التسويق ;) فاهلأ بك ..
    احترامي
    :)

  6. 7o7ayeh يقول:

    تحية مسائية ياسمينة عزيزتي Sun

    يسعدني التعاون معك على كافة الأصعدة
    ويسعدني أكثر مرورك الدائم هنا صديقتي

  7. إنسان يقول:

    سنرجع يوماً إلى حيّنا ..

    أهديكي هالأغنية ..
    وتفاصيلك حقيقية جداً ..
    :)

    جميلة جداً صديقتي .. أعشق هذه اللحظات .. وتلمّس الذكريات ..

اترك رد